أبي الفرج الأصفهاني
242
الأغاني
قال أبو عبيدة : فبلغني أنه هرب منها ، فدخل في بيت حمّاد بن الهيثم [ 1 ] ، ثمّ إن الفرزدق قال فيها بعد ذلك : / قتلت قتيلا لم ير الناس مثله أقلَّبه ذا تؤمتين مسوّرا [ 2 ] حملت عليه حملتين بطعنة فغادرته فوق الحشايا مكوّرا [ 3 ] ترى جرحه من بعد ما قد طعنته يفوح كمثل المسك خالط عنبرا [ 4 ] وما هو يوم الزحف بارز قرنه ولا هو ولَّى يوم لاقى فأدبرا بني دارم ما تأمرون بشاعر برود الثّنايا ما يزال مزعفرا [ 5 ] إذا ما هو استلقى رأيت جهازه كمقطع عنق الناب أسود أحمرا [ 6 ] وكيف أهاجي شاعرا رمحه استه أعدّ ليوم الروع درعا ومجمرا [ 7 ] فقالت المرأة : ألا لا أرى الرجال يذكرون منّي هذا ، وعاهدت اللَّه ألا تقول شعرا . كأنه يريد أن يؤتى : أخبرنا عبد اللَّه بن مالك بن مسلم ، عن الأصمعيّ قال : مرّ الفرزدق يوما في الأزد ، فوثب عليه ابن أبي علقمة لينكحه ، وأعانه على ذلك سفهاؤهم ، / فجاءت مشايخ الأزد وأولو النّهى منهم ، فصاحوا بابن أبي علقمة وبأولئك السفهاء ، فقال لهم ابن أبي علقمة : ويلكم ! أطيعوني اليوم ، واعصوني الدهر ؛ هذا شاعر مضر ولسانها ، قد شتم أعراضكم ، وهجا ساداتكم ، واللَّه لا تنالون من مضر مثلها أبدا ، فحالوا بينه وبينه ، فكان الفرزدق يقول بعد ذلك : قاتله اللَّه . إي واللَّه ، لقد كان أشار عليهم بالرأي . أنصاري يتحداه بشعر حسان بن ثابت : أخبرني عبد اللَّه بن مالك ، قال : حدثنا محمد بن حبيب ، قال : قال الكلبي : قال إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص . وأخبرنا بهذا الخبر محمد بن العباس اليزيديّ والأخفش جميعا ، عن السكريّ ، عن ابن حبيب ، عن أبي عبيدة والكلبيّ : قال : وأخبرنا به إبراهيم بن سعدان ، عن أبيه ، عن أبي عبيدة ، قالوا جميعا : قدم الفرزدق المدينة في إمارة أبان بن عثمان ، فأتى الفرزدق وكثّير عزة ، فبينا هما يتناشدان الأشعار إذ طلع
--> [ 1 ] في هد : « حماد بن القسم » . [ 2 ] التومة : لؤلؤة تتحلى بها المرأة ، مسورا : لابسا أساور ، يريد أنه صرع بهجائه محاربا من النساء . [ 3 ] في هد : حملت عليه حملة فطعنته فغادرته فوق الفراش مكورا وفي هج : حملت إليه طعنتي فطعنته فغادرته بين الحشايا مكورا والمعاني متقاربة . [ 4 ] يريد أن المطعون جميل ، يتضوع دمه مسكا وعنبرا . [ 5 ] في الأصول « يرود » بالياء المثناة ، وهو تصحيف « برود » بالباء الموحدة ، يصف غريمه بأنه عذب الرضاب بارده . . [ 6 ] يريد بالجهاز بضع المرأة ، والناب : الناقة المسنة . [ 7 ] اختلفت الأصول في رواية هذا البيت اختلافا كثيرا ، وقد اخترنا رواية هد ، هج ، غير أننا نرى أن « درعا » تحريف « ردعا » بمعنى زعفران ، والمعنى : كيف أهاجي امرأة سلاحها ما بين أفخاذها ، تعد للحرب طيبا وبخورا ؟ .